تقدم قنبلة ما قاله ممدوح عدوان عن الشاعر محمد

كيف تقدم قنبلة.. ما قاله ممدوح عدوان عن الشاعر محمد الماغوط



تمر، اليوم، ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمد الماغوط (1934- 2006)، والذى يعد أحد أبرز شعراء العربية فى النصف الثانى من القرن العشرين، وله العديد من الدواوين الشعرية الخالدة، وقد تحدث عنه النقاد والكتاب، لكن ما الذى قاله عنه الشاعر الكبير ممدوح عدوان.


فى كتابه هواجس الشعر يقول ممدوح عدوان تحت عنوان ” كيف تقدم قنبلة” إنه كتب بمناسبة تكريم لمحمد الماغوط يقول:


حين أردت أن أكتب هذه الكلمة لتقديم محمد الماغوط، لم أحتج إلى إعادة قراءته. اكتشفت أنه موجود في ضميري الذي أخاف منه. تسربت كلمات له كانت منغرزة في وجداني. وتذكرت حقي الذي منحني إياه منذ طفولتي، في الاعتراف بالخوف، والذل والكبت.


لم يظهر محمد الماغوط صوتا في المشهد الشعري العربي في الخمسينيات بل انفجر فيه قنبلة فراغية.


هذا الرجل الذي لم يهتم بوزن ولا قافية ولا آداب ولا شعائر سياسية رأى نفسه مشردا يتيما فعرف ببداهة الإنسان الأول أن العالم متآمر عليه. ولذلك فغن أي مؤامرة أخرى في هذه الدنيا الخادعة لم تكن تصلح لإلهائه عن مجابهة تلك المؤامرة الكونية.


ولأنه لا يخجل من دموعه ومن هزائمه ومن الاعتراف بإذلال العالم له، فقد علمنا أن الاعتراف بهذا الذل هو النصر الوحيد الذي يليق بأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم.

محمد الماغوط
محمد الماغوط


ولذلك لم أحس يوماً بأنني أقرأ الماغوط، بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يليق به أن يقيم اعتباراً لشيء، وكلما كنت أقرأ الماغوط كنت أحس بأن هذا الرجل يتغلغل إلى أعماق روحي ليجبرني على الاعتراف بوضاعتي التي أوصلني إليها هذا العالم الذي أعيش فيه.


ها هو ذا شخص وحيد في الدنيا يعلن أنه يحشو مسدسه بالدموع ويشتهي أن يأكل النساء بالملاعق ولا يرى فرصة للحنان إلا أن يضع ملاءة على شارة مرور ليناديها يا أمي ويأمر الغيوم بالانصراف.


وفيما نحن نرى التبجح بالقوة الكاذبة، ها هو ذا شخص يعلمنا أن نحب ضعفنا وأمام الانتصارات الإعلامية الخلبية يعلمنا أن نعتز بهزائمنا وأمام المراجل الوهمية يعلمنا أننا في حاجة إلى البكاء. وأمام الانتماءات الضيقة يعلمنا أننا نملك الحق في أن نطالب أوطاننا بإعادة الأغاني، والدموع، وكل فاصلة في أناشيد حبنا لها، قبل أن تطردنا من جحيمها.


ذات يوم كتب صديقي الشاعر علي كنعان: «سيكفي جبهة التاريخ من أمجادنا أنا هزمنا».


وأقول اليوم باعتزاز سيكفي حماسة العرب الشعرية المعاصرة أن تحتوي على تلك الهزائم الوجدانية التي اعترف بها محمد الماغوط، والتي تبدأ من هزائم الجبهات إلى هزائم الروح، ومن خسارة الأرض إلى خسارة الكرامة ومن الفجيعة بالحكام إلى الفجيعة بالأهل، ومن الحاجة إلى اللقمة إلى الحاجة إلى الدفء.